تعتبر القصور من بين المآثر العمرانية و التراثية القديمة التي يزخر بها حوضي دادس و مكون و التي تشهد على براعة و ذكاء مشيديها ، و التي تعتبر النموذج السكني المهيمن في الواحتين نتيجة المعطيات المناخية القاسية و نتيجة أحداث تاريخية متنوعة مرت بها المنطقة ، و تنتشر هذه القصبات أو القصور أيضا في مناطق الأطلس على امتداد واد مكون وواد دادس . شيد القدماء القصور لعدة أسباب منها توفير السكن و الدفاع و التصدي لهجمات الجيران و قبائل الرحل ، و هذا ما جعلهم يختارون لها الحقول أولا( الأطلال المنتشرة بين حقول دادس) ، و لما دعت الضرورة إلى توفير الأمن و الدفاع غيروا مكان بنائها إلى مناطق مرتفعة ( قصر أيت هكواعلي ، و تيغرمت نوغدو ...) و لهذه القصور إضافة إلى وظائف الدفاع و السكن وظائف أخرى كالتنظيم الاجتماعي و الاقتصادي للقبيلة فداخل القصر نجد تنظيما متكاملا أشبه بدولة فنجد الأعيان و على رأسهم '' أمغار'' أو '' إمغارن'' و يسهرون على فض النزاعات بين سكان القبيلة '' تقبيلت'' أو التفاوض مع أعيان القصور الأخرى المجاورة في حالات الخلافات حول الحدود المجالية أو حول استغلال المياه . إن بنية القصر بدادس بنية متماسكة متصلة ، تخترقها أزقة تتفرع كلها عن المدخل الرئيسي و يحمل كل زقاق إسم الجذع أو العائلة أو ما يطلق عليه باللغة الأمازيغية '' إغص'' التي تتشكل منها القبيلة ، و كانت القصور القديمة تحمل أسماء تدل على موقعها الجغرافي مثل '' إغرم نيكران'' أي قصر الحقول ، و أخرى تحمل إسم مؤسسها مثل ''تيغرمت نباسو أميمون'' بسليلو على الضفة اليسرى لواد دادس ، و '' تيغرمت ن عمر'' بالكومت و '' تيغرمت نموحداش'' بتوغا ... و تعني كلمة '' إغرم'' في اللغة الأمازيغية القرية المحصنة و يطلق عليها بالدارجة المغربية إسم القصر ، و التي ذكرنا سابقا بأنها تنتشر بكثرة في واحات الجنوب الشرقي وعلى طول أودية درعة و دادس و تودغة و غريس ، وتمتاز هذه التجمعات السكنية ببنيانها المتراص المحصن بسور أو سورين و قائيين لا يفتحهما على الخارج سوى باب رئيسي كبير يقوم بحراسته حارس دائم إلى جانب اغرم نجد الكلمة بصيغة المؤنث '' تيغرمت '' و التي تعني حسب جورج سبيلمان ذلك البنيان المحاط بالبروج في الزوايا و هي تصمم و تبنى بعناية فائقة و تعكس نوعا من الاستقلالية في الاستغلال و من نماذجها '' تيغرمت نايت سليلو'' بالنقوب و أيت والال و تشكل بروج '' تيغرمت'' و الفتحات الموجودة فيها رمزا للدفاع عن القصر نظرا لشكلها الذي يؤهلها للقيام بهذه المهمة ، كما نجد القصبة متكونة من عدة طبقات قد تصل إلى سبعة '' تيغرمت نايت سليلو'' على الضفة اليسرى لواد دادس . تحتوي قصور دادس على عدة مرافق و هي : - الباب الرئيسي: و هو المقدمة لولوج القصر ، يسهر عليه شخص يدعى بالأمازيغية '' أدواب" و يعتبر المخبر عن كل التحركات التي تقع داخل و خارج القصر خاصة الأجانب ، إلى جانب حراسة باب القصر . - أرحبي : و هو عبارة عن فضاء رحب وواسع في المدخل الرئيسي للقصر و يخصص للتجمعات العامة للقبيلة و فيه تقام الحفلات في المواسم و الأعياد و في أوقات اختيار شيخ القبيلة كما يعتبر مأوى للتجار و المسافرين و عابري السبيل ، و الذين تتكفل القبيلة بإطعامهم بعد الكشف عن هويتهم . - المسجد : يخصص لأداء الصلاة و تدريس أبناء القصر '' إمحضارن'' و يتكلف بمهمة التدريس إمام '' الطالب'' تقوم القبيلة بتعيينه مقابل أجرة سنوية و هذا التعيين يسمى محليا '' الشرط'' حيث يتم الاتفاق على الأجرة بين الطرفين و التي غالبا ما تتحدد في كمية من المحاصيل الزراعية و أضحية العيد . - البئر الجماعي: يتوسط ساحة القصر بئر يتم منه جلب المياه لساكنة القبيلة، و بالرجوع إلى القصور القديمة نلاحظ أنها جميعا لا تخلو من بئر نظرا لسيادة فترات التوتر مما يحول دون التزود بالمياه مباشرة من السواقي خارج القصر. - الخزان العام : يوجد داخل القصر خزان عام للمحاصيل الزراعية يدعى بالأمازيغية '' تاخزانت ن تقبيلت'' ، يقوم أفراد القبيلة بإيداع كل ممتلكاتهم داخله كل حسب المكان المخصص له تفاديا لضياعها بسبب أعمال السرقة ، و كان يعين شخص أمين عليه و هو نفسه يحتفظ بمفاتيح الخزان . إن هذه التنظيمات مجتمعة إن كانت تدل على شيء فإنما تدل على روح التعاون و الإخاء السائدين داخل قصور دادس و شكل القصر الخارجي يعكس ذلك التلاحم و التعاضد الإجتماعيين ، فهو عبارة عن دور متماسكة تتماسك داخله جماعة '' تقبيلت'' خصوصا أن الظروف لا تسمح بانقسام أفراد نفس الوحدة ، و بالتالي فالفرد لا يحسب كواحد ضد الكل و إنما كواحد مع الكل . و هنا نورد مثلا محليا يكرس أهمية عيش الفرد داخل جماعته : أوردا إستا وشن خس تيلي افغن اماس نوولي " وهدا المثل يمكن ترجمته بالحديث النبوي الشريف "عليك بالجماعة فان الدئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية منها ". كل هذه المآثر العمرانية القديمة لم يتبق منها الآن و للأسف سوى مجموعة من الأطلال ، ذلك إثر تعرضها لعوامل التعرية من جهة و التخريب من جهة أخرى ، نتيجة عدم الاهتمام و عدم الوعي بالأهمية التاريخية لها و لما تمثله من شهادات حية على ماصي دادس العريق